الزوايا الدائرية
في قديم الزمان .. عاشت زاوية مفقودة بين النفوس .. ضائعة بين صراعات الروح ، كانت حزينة لا تفارقها العبرات . الكل كان ينبذها ، فقد كانت مختلفة ، وكانت تحمل شيئا مميزا لم يحمله الآخرون .. وحدها عرفت طريقا لقلب وجدته تائها .. أخذته من العراء ... احتضنته ، ربته ، وراعته حتى كبر ، و أصبح فتيا .
كبر القلب مع الزاوية ، القلب لم يكن عاديا .. كان ملفتا للأنظار . كانت كل الزوايا المتناثرة في الثنايا تغار منه ، فقد كان جميلا .. لم يكن زاوية أبدا .
شعر الجميع بالتهديد من القلب الجديد ، شعروا بالغيرة من انحناءاته ، عادوه .. كرهوه .. نبذوه ...
ولم يتوقفو عند ذلك ! بل كرهو الزاوية التي ربته أيضا ، أثقلوا عليها بالكلام ، و شددوا الخصام . ولم تستطع الزاوية التحمل : كثرة الضغوط ، سواد النفوس ، نظرات عين الحسود.. أثقلت بالزاوية ، أخذت تذبل كزهرة حمراء في بستان من الزهور السوداء .. ورقة ورقة ، عودا عودا ، خطا خطا ... حتى بدأ جسدها بالإنحناء من كثرة الهموم ، انحنت أطرافها ، وانحنت حتى انغلقت على نفسها .. لم تعد هي ذاتها !! لم تعد تلك الزاوية ، أصبحت شيئا آخر ، أصبحت دائرة .
كان القلب يراقب بصمت ، كان يراقب كل ما يملك في حياته ينغلق و ينذوي تحت وطأة الهموم .. ( كل هذا بسببي ) هكذا كان يفكر .
بعد أن حوًلتْ الزوايا مربية القلب إلى دائرة ، طالبت حالا باقصائها بعيدا إلى أرض الدوائر فوق السحاب ...
لم تكن الزاوية الدائرة .. تملك المال كي تصعد هناك ، بكت كثيرا .. أقسمت بانها زاوية .. دموعها سرت نهرا ، لكنها لم تفجر الماء من قساوة حجارة تلك الزوايا ، هي لم تملك قلبا مثلها .. هي لم تعرف الرحمة .. هي تكره التغيير ، تكره التميز ، تكره كل ما هو غريب .
وفي وسط الظلمة .. سقط القلب وسط الدائرة .. همس لها برفق : ( لَدَيً سَهْمْ ... أطلقه مرة واحدة ، سنطلقه معا ، وبه سنذهب إلى أرض الدوائر فوق السحاب ) ، فرحت الدائرة وابتسمت بعد دهر .. يكاد يكون عمرها كله . أمسكت بالقلب ، و تركت الزوايا المتحجرة . صلى القلب .. وتمنى ، ثم أمسك بشهاب من السماء ، وربطه بسهمه .. و بدأ يطلق السهم .. نظرت إليه الدائرة متأملة .. باسمة .
أُطْلِقَ السهم .. وعبروا السماء إلى أرض الدوائر فوق السحاب . عند وصولهما هناك ، وجدوا كما هائلا من الدوائر .. رحبت بهما ، احتضنتهما . كل دائرة كانت تحمل شيئا مميزا أخذها إلى هذه الأرض .
حكت الدائرة لهم عن قصتها ، بكت .. و بكوا ، ثم ضحكت .. فضحكو إلى الأبد .
و هكذا أصبحت الدائرة تحكي كيف أن هناك زوايا دائرية في هذا العالم ، لم يصدقها أحفادها ، كانو يضحكون ويقولون : ( لقد كبرت جدتي !! ) .
و بين الدوائر عاشت زاوية ...
حملت قلبا .. قصتها مثل الخيال .. ولكنها كانت أول زاوية دائرية .. تبعها الكثيرون .. و مايزالون .
لذا لا تظن أن الدوائر كلها دوائر ، و أن الزوايا زوايا ، هنالك أبعد من هذا ، هناك ما نقصيه من قائمة خياراتنا .. دون أن نعرف ما هو .. وما يكون .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق